وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
آمين ، ولك بمثل ما دعوت .
لا أظنه مُلْحِدًا ، فلا يُوجَد مُلْحِد على الحقيقة ، ولا يُوجَد مَن أنْكَر وُجود الله حقيقة !
وأعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون : (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) .
وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) .
وأما ما طُرِح مِن شُبهات ، فالجواب عنها كما يلي :
أما ثبوت القرآن ، فلا شُبهة في ثبوته ، وقد شَهِد بذلك أمم الأرض مِن اليهود والنصارى وسائر الملل ، بأن هذا القرآن حقّ لا مرية فيه ، وأنه لم يدخله التبديل ولا التحريف .
وهذا مذكور مزبور في كُتب اليهود والنصارى ، وهذا ما دَفَع بأعداد غير قليلة من النصارى إلى الإسلام ؛ لأنهم وَجَدوا أن القرآن ودين الإسلام هو ما بشّرت به الأنبياء مِن قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
وهنا إشارة إلى تلك البشارات
http://www.saaid.net/mohamed/a.htm
وسبق أيضا :
تساؤلات كثيرة حول القرآن والإنجيل والتوراة
http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?p=451562
وأما السجود فإنه لا يكون لِوَهْم ، بل هو سجود لله عزّ وَجَلّ الذي خَلَق السماوات والأرض ، وليس هناك أحد يُنكِر أن الله عزّ وَجَلّ هو مَن خَلق السماوات والأرض .
ومَن أنْكَر ذلك فكأنما يُنكر ضوء الشمس مِن رَمَد !
وما يجده كل مخلوق مِن ضرورة اللجوء إلى الله ، وما غُرِز في الفِطَر مِن معرفة الخالِق ، واللجوء إليه ، حتى مِن قِبَل البهائم العجماوات !
فكيف ببني الإنسان الذين ميّزهم الله بعقول يعرفون بها الحق والباطل ؟!
وما يُشاهَد في أحوال الناس مِن أن أحدهم إذا أصاب ضيق أو ضُرّ لجأ إلى الله ، مؤمنا كان أو كافرا ، فأهل الجاهلية الأولى كانوا يلجؤون إلى الله إذا ركبوا في السفن ولعِبَت بهم الأمواج ، مع كفرهم وشركهم !
وأهل الجاهلية المعاصرة مِن الوثنيين وغيرهم إذا وقعوا في ضائقة أو شِدّة سألوا الله عزّ وَجَلّ وتساقطت آلهتهم التي يدعون مِن دون الله .
وأما (لماذا القرآن نزل للعرب فقط لم ينزل لأوربا وأستراليا وأمريكا) ، فإن القرآن نَزَل بِلسان عربي مُبين .
وهو خِطاب للخلق أجمعين ، عربهم وعجمهم ، إلاّ أن نُزول القرآن بِلغة العرب لِعدّة أسباب ، منها :
1 - أنها أشمل وأجمْعَ اللغات ، إذ فيها من الثروة اللغوية ما لا يوجد في لُغة أخرى ، باعتراف غير العرب .
2 – أنها لُغة النبي الذي بُعِث بالقرآن .
3 – أنه بُعِث أول ما بُعِث في قوم مِن العرب ، بل كانت اللغة العربية هي اللغة السائدة في ذلك الزمان .
فلا يُتصوّر أن يأتي نبي عربي يُخاطِب العرب ، ويتحدّث بِلُغة أخرى غير مفهومة للسامعين .
ولم يكن هذا في رسالة نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم فَحَسب ، بل كانت في سائر دعوات الأنبياء ، إذ كل نبي يُبعث بِلغة قومه ، كما قال الله عَزّ وَجَلّ : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ) .
ولكون هذه اللغة هي لُغة الرسالة الخاتمة ، وبها يَنْزِل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام ، إذ يكون نُزوله في الشام ، وفي أناس مِن العرب ، ويُكلّمهم ويُكلّمونه مِن غير ترجمان ، لذا كانت هي لُغة القرآن ، وهي اللغة التي يُكلِّم الله بها الناس ، كما جاءت بذلك النصوص .
ونحن نعتقد أن الله عَزّ وَجَلّ لم يَلِد ولم يُولَد ، وهذا الذي جاءت به جميع الأنبياء من غير استثناء ، ولم يقُل أحد من الأنبياء أن الله عَزّ وَجَلّ له وَلَد ، كما لم يَقُل أحد منهم أنه ابن الله ، ولا يُوجد في كلام عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام كلمة واحدة تُثبت تلك الدعوى التي ادّعاها النصارى ، كما يعترف بذلك كبار علماء النصارى ، ويعترف به مَن أسْلَم منهم ، وإنما كانت تلك الدعاوى مَن النصارى أنفسهم ، وليست مِن قِبَل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام .
وأما الذين لم يبلغهم الإسلام فإن حسابهم على الله ، فإن كان بلغهم الإسلام فقد قامت عليهم الحجة ، وإن لم يبلغهم الإسلام فإن مِن كمال عَدْل الله أن يمتحنهم في الآخرة .
جاء في الحديث : أربعة يحتجّون يوم القيامة : رجل أصمّ لا يسمع شيئا ، ورجل أحمق ، ورجل هَرِم ، ورجل مات في فترة ؛ فأمّا الأصمّ فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا ، وأما الأحمق فيقول : رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبَعَر ، وأما الْهَرِم فيقول : ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا ، وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني لك رسول ، فيأخذ مواثيقهم ليُطِيعنه ، فَيُرْسِل إليهم أن أدخلوا النار . قال : فو الذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بَرْدًا وسَلامًا . رواه الإمام أحمد وابن حبان .
وقول القائل : (السؤال المهم من خلق الله ؟) هذا غير وارد ؛ لأن الله عَزّ وَجَلّ لم يلِد ولم يُولَد .
والله عَزّ وَجَلّ خالِق كل شيء ، وهو أكبر مِن كل شيء ، وليس كَمِثله شيء .
وأما قوله : (والسؤال المحير أول إنسان أدم لكن كيف أتى) ربما مُحيّر له ، أما سائر العقلاء فإنهم يعلمون ضرورة أن للخَلْق بداية ، ولهم نهاية .
فأما بداية آدم فكما هو معروف عند جميع الأمم ، أن الله خَلَقه مِن طين ابتداء ، ثم نَفَخ فيه الروح .
وهذا ليس مستغربا ، فإن مِن معجزات عيسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يصنع مِن الطين مثل هيئة الطير ، فينفخ فيه ، فيكون طيرا بإذن الله .
ونحن نقول ونعتقد أن الله غفور رحيم ، إلاّ أن هذه المغفرة والرحمة لا تشمل الكافر الذي موت على كُفره ، ولذا كان إبليس ليس أهلا للمغفرة والرحمة ؛ لأنه عصى الله عَزّ وَجَلّ وكابَر وعانَد ، ثم طلب الإمهال والـنُّظْرَة إلى يوم القيامة ، فسأل ما فيه الشقاء الأبدي ، وهو لم يسأل الله عَزّ وَجَلّ المغفرة والرحمة ، ولا تاب إلى الله ، بِخلاف آدم – أبو البشر – الذي وقع في الذنب ثم بادَر بالندم والتوبة ، وسأل الله عَزّ وَجَلّ المغفرة ، فغفر الله عَزّ وَجَلّ له .
ورحمة الله عَزّ وَجَلّ واسعة ، إلاّ أن الله عَزّ وَجَلّ أخبر أنه كتبها للذين يتّقون ، وأولى وأوجب ما يُتّقى هو الشرك والكُفر بالله ؛ لأنه جُحود ونُكران للمنعم المتفضِّل سبحانه وتعالى .
قال الله عَزّ وَجَلّ : (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) .
وقوله : (أنتم تقولون أن الصلاة شعائر ولكن الناس يرونها طقوس) هناك فَرْق بين الطقوس الهامدة الجامدة ، وبين الشعائر التعبّدية ، فالأولى مُجرّد حركات أو سَكَنات ، وليس لها أدنى أثر في حياة أصحابها .
أما الشعائر التعبّدية ، فإنها تؤثِّر في أصحابها ، وتُهذّبهم وتُربّيهم ، بل وتسلك بهم الصراط المستقيم ، وتنهاهم عن الفواحش .
ولا أدلّ على ذلك مِن تأثير الإسلام على كبار المجرمين في سجون الدول الغربية ، فقد لاحظت إدارة أحد السجون بأحد الولايات الأمريكية أن مَن يُسلِم في السجن لا يعود إليه ثانية ، وهذا بعد أن يتذّوق حلاوة الإيمان ، فبحثت إدارة السجن في سبب ذلك فوجدت أنه تأثير الإسلام ، وأن وراء ذلك شخص أمريكي أسلم وصار له تأثير على السجناء مِن خلال زياراتهم ودعوتهم إلى الإسلام ، فما كان مِن إدارة السجن إلاّ أن وظّفته على حسابها يدعو السجناء بغضّ النظر عن دينه !
ورأيت في أحد أكبر السجون في فرنسا أن إدارة السجن خَصَّصَت قِسْمًا وإدارة كاملة للمسلمين ، ومكّنتهم مِن دعوة السجناء وزيارتهم ، وفرّغت لهم إحدى الصالات لإقامة صلاة الجمعة في وقتها المحدد .
وقوله : (ولماذا تدافعون عن فلسطين والفلسطينيون ليس هذه أرضهم)
بل هي أرضهم باعتراف الكاتب نفسه !
إذ هي تُسمّى ( فلسطين ) وهم يُنسبون إليها فيقال لهم : ( فلسطينيون ) .
وهو قد أورد القصة التي تدلّ على أن اليهود ليسوا أهلاً لتلك الأرض !
فقوله : (أكبر دليل أن موسى قال لقومه ادخلوا أرض فلسطين قالو لن ندخل فيها لأن فيها ناس جبارين) ، من هم الذين قال لهم موسى عليه الصلاة والسلام ذلك القول ؟
هم بنو إسرائيل ! وهم اليهود !
وهم رفضوا دُخول الأرض المقدّسة لِوجود الجبارين !
وأساءوا الأدب مع موسى عليه الصلاة والسلام إذ قالوا له : اذهب أنت وربك وقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، وذلك بعد أن قالوا : لن ندخلها أبدا ما داموا فيها !
وسبق تفصيل أكثر حول هذه القضية هنا :
اليهود وأرض فلسطين ، استمع لهذه القصة .... ورد على الشبهة
http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=10154
وأما (غلبت الروم في أدنى الأرض) فالدنوّ في لُغة العرب يُطلق على عدة معاني ، منها : القُرب والدنوّ .
فالدنوّ هنا بِمعنى القُرْب ، وليس بِمعنى الانخفاض .
قال الراغب في " مُفردات ألفاظ القرآن " في مادة ( دنا ) :
الدنو : القُرب بالذات ، أو بِالْحُكم ، ويستعمل في المكان والزمان والْمَنْزِلة .
قال تعالى : (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ) ، وقال تعالى : (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) ، هذا بالْحُكْم .
ويُعَبَّر بالأدنى تارة عن الأصغر ، فيقابل بالأكبر ، نحو : (وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ) .
وتارة عن الأرذل ، فيقابل بالخير ، نحو: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) .
وعن الأول فيُقابل بالآخِر ، نحو : (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ) ، وقوله : (وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) .
وتارة عن الأقرب ، فيُقابل بالأقصى ، نحو : (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى) .
وجمع الدنيا الدُّنى ، نحو الكبرى والكبر، والصغرى والصغر .
وقوله تعالى : (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ) ، أي : أقْرب لنفوسهم أن تتحرى العدالة في إقامة الشهادة ، وعلى ذلك قوله تعالى : (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ) ، وقوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ) ، متناول للأحوال التي في النشأة الأولى ، وما يكون في النشأة الآخرة .
ويُقال : دَانيت بَيْن الأمْرَين ، وأدْنيت أحدهما مِن الآخر . قال تعالى : (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) ، وأدْنَت الفرس : دَنا نِتاجها .
وخُص الدنيء بالحقير القَدْر ، ويُقابل به السيئ ؛ يقال : دنيء بَيِّن الدناءة .
وما رُوي (إذا أكلتم فدنوا) أي : إذا بدأتم بالأكل كلوا مما بين أيديكم .. مِن الدُّون ، أي : كُلوا مما يليكم . اهـ .
قال ابن عطية : فإن كانت الواقعة بأذرعات فهي مِن أدنى الأرض بالقياس إلى مكة . اهـ .
قال القرطبي : و " أدنى " معناه أقرب . اهـ .
والله تعالى أعلم .